الخميس، 22 مايو 2025


 الزواج في زمن التعقيد: بين الأصل والواقع

مقدمة
كان الزواج عبر العصور ميثاقًا غليظًا، ومأوى للسكن والمودة والرحمة، كما وصفه الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].لكن حاضرنا يشهد تحولات جعلت من هذا الرباط شيئًا معقدًا لدى كثير من الشباب، تتداخل فيه العوائق الاقتصادية، والاجتماعية، والدينية، مما دفع البعض إلى العزوف عنه، أو الدخول فيه وهم يفتقرون إلى أُسسه ومقاصده.
أولاً: ارتفاع التكاليف المرهقة للطرفين
أصبحت تكاليف الزواج عقبة كؤودًا أمام الشباب، حيث يُطلب من الرجل مهر مرتفع، وشبكة، وشقة مجهزة، إضافة إلى حفل زفاف مكلف. ولم تعد المرأة بعيدة عن هذا الضغط، فهي أيضًا تُحمَّل تكاليف باهظة في الملابس والأثاث والكماليات.
وهذا مخالف لهدي النبي ﷺ الذي قال:
"أعظمُ النكاح بركةً، أيسره مؤونة" (رواه أحمد).وقد زوّج النبي ﷺ فاطمة لعلي رضي الله عنهما بدرع، وكان زواجًا مباركًا قائمًا على البساطة والتقوى.
ثانيًا: المشاكل الاقتصادية بعد الزواج
حتى من تجاوز حاجز البداية، يصطدم بواقع اقتصادي صعب من ارتفاع الأسعار، وقلة فرص العمل، وضعف الدخل، مما يؤدي لتوترات دائمة.وقد جاء في الحديث:
"يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج" (متفق عليه).لكن الشباب اليوم لا "يستطيع الباءة" بسبب تعقيد التكاليف وظروف المعيشة، رغم الرغبة والاستعداد الشرعي.
ثالثًا: غياب الخطاب الديني التربوي
كان للخطباء والدعاة في الماضي دور بارز في توعية الشباب بمقاصد الزواج، لكن الخطاب اليوم ضعف، وانشغل عن الواقع، فغابت التربية على المسؤولية والتكامل.
وقد بيّن النبي ﷺ الغاية من الزواج بقوله:
"إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" (رواه الترمذي).فالزواج ليس فقط ارتباطًا، بل هو مشروع أخلاقي، ودعامة لاستقرار المجتمع.
رابعًا: قلة التهيئة النفسية والمعرفية
كثير من الشباب يدخل الزواج بلا علم ولا تربية على الصبر أو فهم طبائع النفس. نشأوا في بيئة تسعى للراحة السريعة لا التضحية.بينما القرآن الكريم يعلّمنا أن العلاقة الزوجية شراكة قائمة على الرحمة والتجاوز:
﴿... وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19],﴿... وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237].
خامسًا: ضياع المفهوم الحقيقي للزواج
الزواج عند البعض أصبح هدفه الوجاهة الاجتماعية، أو الهروب من ضغوط نفسية، لا بناء بيت يعمر الأرض ويحقق مقاصد الدين.وقد قال الله تعالى:
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]تشبيه بديع يدل على الحماية، والستر، والارتباط الروحي والعاطفي، لا مجرد العلاقة الجسدية أو المظاهر الفارغة.
سادسًا: غياب التكافؤ بين الطرفين
الزواج الناجح لا يقوم على الشكل أو المال وحده، بل على التكافؤ في الدين، والعقل، والرؤية.قال النبي ﷺ:
"تُنكح المرأة لأربع... فاظفر بذات الدين تربت يداك" (متفق عليه).والعكس كذلك في اختيار الرجل، فالتكافؤ يُنتج استقرارًا، لا صراعًا دائمًا بين طرفين لا يلتقيان في العمق.
سابعًا: الغلو في المهور و"القائمة" وعزوف الشباب عن الزواج
من أبرز أسباب العزوف عن الزواج اليوم، ما يُسمّى بـ"القائمة"، وما يصاحبها من شروط مرهقة ومغالاة في المهور، حتى صار الزواج مشروعًا شبه مستحيل لكثير من الشباب. يُطلب من الشاب أن يكون قادرًا على تأثيث بيت كامل وحده، وتحمل قائمة طويلة من الطلبات، وكأنه مقبل على صفقة مالية لا رباط رحمة ومودة.
هذا التكلّف الفادح أدى إلى إحجام الشباب عن الزواج، وفتح أبواب الفتنة، وساهم في انتشار الفواحش والعلاقات المحرّمة، خاصة في ظل الانفتاح الإعلامي والابتعاد عن الدين.وقد حذّر النبي ﷺ من ذلك بقوله:
"إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" (رواه الترمذي).
وقد رأينا الفتنة والفساد فعلاً، حين تعذّر الحلال وتيسّر الحرام.والله تعالى أمر بتيسير الزواج فقال:
﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ...﴾ [النور: 32]،وهو أمر للمجتمع كله أن يسعى لتزويج الشباب لا لتعقيده.
ومن المؤسف أن بعض أولياء الأمور يظنون أن رفع المهر يحفظ بنتهم، بينما النبي ﷺ يقول:
"إن من يُمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمها" (رواه أحمد).
فالغلوّ في المهور والقوائم أفسد مقاصد الزواج، وضيّق الحلال، وفتح أبواب الحرام، وهدد استقرار المجتمع كله.
خاتمة
إن أزمة الزواج ليست في المال فقط، بل في فقدان الفهم، وغياب القيم، وضعف التكافؤ، وتراجع التربية.الزواج في الإسلام مسؤولية لعمارة الأرض، وتربية الجيل، وغرس السكينة في القلوب، لا مجرد علاقة مؤقتة أو وسيلة متعة.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً...﴾ [النحل: 72].فلنعد الزواج إلى مقامه، ولنُيَسر السبل، ونُحسن التأهيل، ونحيي الخطاب التربوي، ليعود البيت سكنًا ورحمة، لا ساحة صراع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

  ظاهرة خطيرة: جلوس الأطفال على المقاهي في السنوات الأخيرة، أصبحت المقاهي بيئة معتادة للأطفال والمراهقين من مختلف الأعمار، خاصة في القرى وال...